توفيق أبو علم

214

السيدة نفيسة رضي الله عنها

فلمّا ماتت قدم في ذلك اليوم ، وهيّأ لها زوجها تابوتاً وقال : إنّي لا أدفنها إلّابالبقيع ، عند جدّها المصطفى صلى الله عليه وآله ، فتعلّق به أهل مصر ، وسألوه باللَّه عزّوجلّ أن يدفنها عندهم ، فأبى ، فاجتمعوا وذهبوا إلى عبداللَّه بن السري « 1 » ؛ أمير مصر ، وتوسّلوا به إلى إسحاق بأن يدفنها عندهم ، وأن يرجع عن عزمه ، وخاصّةً أنّها حفرت قبرها بيدها في دارها ، فسأله الأمير في ذلك ، وقال له : باللَّه لا تحرمنا من مشاهدة قبرها ، فإنّا كنّا إذا نزل بنا أمر جئنا إليها في دارها في حياتها نسألها الدعاء ، فما تنتهي من دعائها إلّاوقد كشف اللَّه عنّا ما نزل بنا ، فدعها لتكون في أرضنا ، فإذا نزل بنا أمر جئنا إلى قبرها فسألنا اللَّه تعالى عنده ، فأصرّ على نقلها ، ولم يرض ما طلبه القوم وما عرضه الوالي . فجمعوا له مالًا جزيلًا وسق بعيره الذي وفد عليه ، وسألوه البقاء ، فأبى ، فباتوا في ألمٍ عظيمٍ وهمٍّ مقيم ، وقد تركوا المال عنده ، فلمّا أصبحوا جاءوا إليه فوجدوا منه مالم يروه من قبل ، فإنّه أجابهم عن طيب خاطر إلى دفنها عندهم ، وردّ عليهم ما لهم ، فسألوه عن ذلك ، فقال : رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في المنام ، وقال لي : يا إسحاق ، ردّ على الناس أموالهم وادفنها عندهم ، ففرح القوم وأخذوا يكبّرون . ولمّا توفّيت اجتمع الناس من القرى والبلدان ، وأوقدوا الشموع تلك الليلة ، وسُمع البكاء عليها من كلّ دار بمصر ، وعَظُم الأسف والحزن عليها ، وصلِّي عليها بمشهد حافل ، ودُفنت بالمكان الذي حفرته « 2 » . وكان يوم دفنها يوماً مشهوداً ، ازدحم فيه الناس ازدحاماً شديداً ، وأخذوا يزورون

--> ( 1 ) في كتب التراجم : عبيداللَّه بن الحكم ، أمير مصر ، وابن أميرها . بايع له الجند سنة 206 ه ، وأقرّه المأمون‌العباسي ، ثم عقد المأمون لخالد بن يزيد الشيباني على بعض أعمال مصر ، فامتنع عبيداللَّه عن قبوله وقاتله ، فنشبت فتنة انتهت بفشل خالد ، ثم أقبل عبد اللَّه بن طاهر مارّاً بالشام حتّى بلغ مصر ، موفداً من قبل المأمون ، فدافعه عبيداللَّه مدة ، وجاءه أمان المأمون سنة 211 ه على الصلح بينه وبين ابن طاهر . فلمّا التقيا خلع عليه ابن طاهر ، وأمره أن يخرج إلى المأمون ، فخرج ، وأقام في العراق إلى أن توفّي بسرّ من رأى سنة 251 ه . ( الولاة والقضاة : ص 173 ، الأعلام : ج 4 ص 194 ) . ( 2 ) انظر خطط المقريزي : ج 4 ص 325 - 326 .